Chapter 3
Le Vigne
Le Vigne
أشعر بيدي النحيفتين ترتجفان على مقود السيارة, و قد فشلت كل المحاولات لكي اتوقف عن التفكير.
-توقف عن التفكير!
قد يظنني البعض مصاب بإنفصام في الشخصية حين أصرخ على نفسي, طبعا هو هاجس فقط, فالفتاة التي تقود السيارة المتوقفة في الزحام قربي لم تران, أنا مجرد عارض على حياتها, تتقاطع حياواتنا بدون دلالات , بدون أن تترك أثر على نقاط اللقاء. و مع أني أحاول دوما أن أرى الجميع , أن أركز نظري فيهم , أن أبتسم لهم.
-ها أنت تبدأ مجددا .
هي المدينة دوما , لها الموقع المركزي, و حولها أدور في خيالي الصغير, و أحلم بسعادة مستقرة و وجود يرضي بالحد الأدنى كبريائي الكبير. أنا لا أستطيع التوقف عن التفكير لأنني بحاجة دائمة لإجابات على الأسئلة الكثيرة, و أسئلتي الكثيرة هي دلالة تقشف في فهم مجريات حياتي, لأنني لا أعلم أين تقودني قدماي, و لم أعلم يوما كيف تداخل الظروف لتجد نفسك تتحرك بقرار أكبر منك بكثير.أخاف أن أجدني يوما في مكان لا رغبة لي به على الإطلاق. ليست السيطرة طموحي طبعا, فكلنا نرغب بالسيطرة على حياتنا, و لكنني أرغب بالتوقف عن الخوف. و أظن السعادة هي مرتجاي.
البحر يدخل من نوافذ السيارات, و يجلب معه رائحة الأسماك, هو غريب أيضا في مدينتي, و يعلم تماما أن لا مكان له قرب الصبية المتبرجة خلف مقودها, كما لا مكان لرجفة صوته بالموج في السيارة المكشوفة التي تتصاعد منها أغان خارجة دوما عن السياق العام للمشهد.
أمام نافذتي الصغيرة تتجمع مئات التجاعيد, و لون أسمر ضرب المغيب عليه حمرة سحرية, فتشكل حول العينين البنيتين كقشور البرتقال, و إنحدر كالدمعة المستقلة عن إرادتك, ليحفر في الحزن القاس معالم المدينة الرئيسية و صفاتها الأولى.
أفتح شباكي ببطء و ألتلفت إليه.
-بدي إدفع فاتورة الدوا للصغير , و بدي شربه حليب, صدري نشف من الجوع يا بنيِي.
أشعر بالدمعة القاسية تختلج خلف عيني الزرقاوين, أشيخ بنظري ناحية البحر علها تختلط بمائه الكثير و تختفي, فلا تتجمع على روحي الحزينة و تمنعها من التنفس مجددا.
الله يعطيك, أقولها في سري و أعتذر بتمتمة مختلفة, نوع من التعاطف الكاذب, و الشعور بأننا جميعا فقراء, لا نملك الكثير.و يفضحني خبثي, تفضحني زجاجة العطر التي إشتريتها بخمسين دولار منذ ساعة فقط, و تفضحني الساعة الفضية في يدي النحيلة. و قبل أن أستدرك الوجه العجوز, أراه أشاح بعينيه عني و نقلهما عبر الزجاج الأمامي للسيارة المتوقفة خلفي, درس ردة فعل السائق من تقلص عضلات وجهه, و إنطلق نحو شباكه ليلتصق به.
بدي إدفع فاتورة الدوا للصغير , و بدي شربه حليب, صدري نشف من الجوع يا بنيِي.
تختطفني الأسئلة الوجودية مجددا, و أقفز نحو النهايات هذه المرة, تراك تشعر حقا بأنك مطلق الشفافية ؟ تراك تبتسم لجميع المارة فقط لتؤكد لنفسك أن الجميع يراك, و أنك لست في معرض المرور الإجباري على ممشى كهربائي, ينتهى بموتك. فتكون كما لو أنك لم تكن يوما.
أدير الراديو بحثا عن شيء يستحق أن تسمعه, شيء يزيل الكآبة من عيني الصغيريتين كلما واجهتهما على المرآة الجانبية. أشعل سيجارة و أمتص الدخان منها بشراهة, محاولا حصر تفكيري في اللحظة. أليست طريقة نينو المثلى في معالجة أزمة السعادة كما يقول.
-نبحث كثيرا عن السعادة و نتأفف من عدم حصولنا عليها, و لكننا نبحث دوما في المكان خطأ. السعادة هي شعور لحظة. لا تغرق في البحث عن أول خيطها, فهي ليست خط مستمر و لا نقطة بداية تحدد مكان إنطلاقها, كما لا وجود لمسار زمني محدد تتوقف عنده. السعادة هي لحظة خارجة عن القانون, تفرض إيقاعها الخاص, و تتجلى في ملامحك رغم عنك. يبقى أن تفاجئها حين حصولها. و لكنك منشغل في بحثك و أسئلتك التي لا نفع لها, ترهق نفسك في البحث عن سعادتك فتتجاوزها كل ما حطت على شفتيك.
أبتسم حين أسترجع كلامه, و تتآلب الأشياء حولي, فتشدو موسيقى مارسيل في فضائي الصغير, و يمر النسيم المنعش عبر جسدي, فأحس بصفاء لا بداية و لا نهاية له , شعور منفصل عن الزمان و المكان. و أبتسم.
يخطفني صراخ السائقين خلفي من لحظتي الزهرية, و لكنني أقرر أن لا أدعهم يسرقون بهاءها مني, أتجاهلهم و أنطلق ببطء تحت إشارة المرور الخضراء.
أشعل سيجارة أخرى, و أشعر بأن ثقل ما قد إنزاح عن كاهلي, كأنني أملك عالمي كله في يدي الصغيرتين. سأقوم بتغيير عملي, و سأجلب زهورا لأضعها على قبر والدتي, و ربما قد أزور ريما, أو أدعوها للغداء في مطعم لطيف, و قد أدعو نينو و نجوى أيضا فنخرج معا كما كنا نفعل في السابق. أتناول الجوال عن المقعد الخالي قربي, و أتصل بأختي لأخبرها أنني قادم للعشاء عندها غدا, فتجيبني عاملة الهاتف. لا أتذمر, و أجدد الإبتسام, ستكون مناسبة لطيفة لرؤية إبنتها الصغيرة, ربما أشتري لها هدية أيضا. أبتسم. و أبتسم مجددا لأنني أبتسم.
أحاول الإتصال بنينو لأخبره بأنني مررت بالحديقة التي كنا نلعب فيها كرة القدم حين كنا صغارا, و لكنه لا يجيبني. أتوقف قليلا على جانب الطريق, و أحاول اللحاق بآخر أنفاس الضوء و هي تعتلي العشب الأخضر, أغمض عيني بحثا عن رائحة زهر الليمون, فيأخدني مشهد الربيع إلى قريتي, بيت جدي, صيد العصافير, والدي. أسمع صوت والدتي.
-الغذا جاهز يا بيي. روح عيط لبيك يا خليل.
أمد يدي إلى علبة الدخان, لأتنفس منها رائحة الذكرى الحارقة. لم يعد يزورني الحزن الكثيف كما في السابق, لقد واجهت الأمر بشجاعة, و خرجت من ضباب الحداد الذي يحولك لمخلوق يتلمس طريقه من الحزن و إليه.
أتناول هاتفي مجددا, أخبر نجوى في رسالة خطية أن الزحمة أخرتني قليلا, و أحاول الظهور في مزاج جيد, فأضيف أنني لبست أجمل بدلاتي. فاليوم نذهب سويا إلى حفلة تخرجها. سنبدأ بتسميتها الدكتورة نجوى من اليوم و صاعدا. ثم أنتقل للتفكير بنينو, و أشعر بغبطة لأنه عاد إلى المدينة التي كبرنا بها, و ها هو يستقر مجددا مع نجوى. أظنهما سيتزوجا قريبا, على الأقل هذا ما أخبرتني إياه أمه حين دعتنا للعشاء عندها الأسبوع الفائت.
أقترب من الوصول إلى شارع "رابندرات تاغور" , ألمح سيارة نجوى متوقفة قرب المبنى القديم, يظللها الضوء الفضي الذي يملأ فراغ اللون بين بداية الليل و إنسحاب النهار. أشرد قليلا, و يتسارع نبضي بشكل مباغت, أرى الأشياء قد تجمدت حولي, كنت أبحث عن شيء ما.
يزيل نور الكهرباء الإنقباض المتمسك بطرفي قلبي, الذي بدأ يختلج كسمكة ذهبية حائرة من دخول الضوء و الصوت غلى عالمها الساكن الصغير. كنت أبحث عن مكان أركن فيه سيارتي. أقلب عيني في الشارع الموشح بلون الآكي دينيا. و أجد مكانا فارغا.
أرى نجوى و هي تعبر الشارع بخطوات رقيقة. ثوبها الأبيض يرتجف مع دعساتها الخفيفة, كأنما هو خجل من ملامسة جسدها العار أمام الضوء الإصطناعي. ألتفت حولي و أقرأ على اللوحة الصدئة:
Le Vigne Restaurant français
أبحث حولي عن آثار عريشة كانت هنا في زمن ما, فلا يلفت نظري سوى الثقوب التي خلفها الرصاص في المبنى المهجور. أحاول الإنصات لكلام الأرواح التي تناولت طعامها هنا يوما, و يهيؤ لي أنني أسمع غناء إديث بياف.
- أم أنه صوت ميراي ماثيو؟
يوقظني المرور الخاطف لخفاش كبير, و هو يدخل طائرا إلى المطعم الأثري عبر فتحة مدورة صممت لكي تعطي الشبابيك نكهة أوروبية في السابق.
-ماذا يفعلان في الأعلى, سنتأخر على موعد الحفلة.
أشد الجاكيت حولي, تفاديا للسعة البرد الليلي , و أسرع بخطواتي نحو المبني الزهري.
5 commentaires:
أدرك جيدا" أننا حين نكتب, نكتب شيئأ" منا, لا أدري لكنني اشعر أنك تكتب الكثير منك في خليل.
متابع باهتمام
معقول , كتبت هالنصوص من بعد فترة قليلة من رجعتي على لبنان .. كرمال هيك القصة هي متل ميتافور عن صراعاتي الشخصية .. و هيك بكون موجود بكل الشخصيات .. على كل هيدا الأسلوب ما عدت رجعتله, بالعكس بحس القصة القصيرة أنجح لما تكون بتعبر عن نظرة دقيقة من الخارج , ما بتدخل فيها شخصيتك.
ريما
lego
سأفكّر في حكايات الآخرين لأنه ما من شيئ لديّ أفكّر به. " إن حالتي باختصار"، كما يقول هوفمانستال، " هي أنني فقدت تماماً القدرة على التفكير في أي شيء أو الحديث عنه بشكل مترابط. كل شيء تفكك إلى أجزاء، وتفككت الأجزاء إلى أجزاء أخرى، ولن أستطيع أن أصوغ أي مفهوم محدد عن أي شيء". ذاكرتي، هي الأخرى، كذاكرة كمبيوتر غير منظّمة،من دون "باك أب"، تتوزع فيها المعلومات عشوائياً. لكن النسيان في أتعس أحواله نعمة كما أردد دوماً أمام أختي التي تشاركني هذا المرض الوراثي؛ وفي أفضل الأحوال موت. سأموت منتحرة لكنني لن أتنبّه لذلك إلا في اللحظة الأخيرة، عندما أشعر به. ربما عندها فقط، سأشعر حقا بوجود خليل ونينو ونجوى، الدكتورة نجوى. اليوم حفل تخرّج صديقتي الحميمة التي تتكلم كثيراً عن والدتها ولا تعرف عني شيئاً. والدتها تكرهني لأنني أناديها "تانت" فيشعرها ذلك أنها كبيرة في السن. هل هناك رقم معيّن يصير عنده الإنسان "كبيراً في السن"؟ خزانتي الطيبة، خزانتي الرائعة. سأدع الجنيات تختار فستاناً لي. سأرتدي فستاناً ضيقاً وألفت نظر خليل لانحناءات جسدي فيما أفكّر بيني وبين نفسي: لن تصدّق أبداً كم أنا باردة يا خليل. قلت له مرة انني أود لو نتبادل الأدوار. أن أعيش في جسمه ويعيش في جسمي كي نفهم بعضنا أكثر. ربما يفهم أن برودي ليس برود النساء بل برود الإنسان بشكل عام. إصابته بالطاعون. ذكرياته الشمطاء. صدقه مع نفسه. وجعه. مساهماته البسيطة في جعل هذا العالم أكثر تعاسة ووحشة. لا يكفيني الجنس. لا يملأ فراغي عضو واحد ولا يؤجله. ربما لا أذهب إلى حفل نجوى وربما أتخلص من نجوى وسخافاتها مع نينو إلى الأبد. أمضي الليلة مع غيلان وجن ومجرمين لا أرى وجوههم ويروني. بدأت أكره نجوى. بدات أكرهها لأنها ستتزوج وهي غير متأكدة. بدأ حباً وصار عادة تكمل الروتين اليومي. أنها من الحيوانات الثدية. كأنثى يجب أن تفرز الإستروجين والفيرومين والسيروتينين كلما قابلت نينو، مع ما يرافقه إفراز هذه الكيميائيات من سرعة في دقات القلب وفقدان لشهية الاكل والنوم وشعور مبهم بالفرح. هي لا تفرز شيئاً. توقفت عن الإفراز ككل الفتيات في عمر مبكر. هي لا تبتسم من غير سبب. انا أراقبها دائماً. انا كالجنيات أعرف كل شيء وأختلس النظر كلما سنحت لي الفرصة. قرأت في دفتر خليل خلسة عن "الغريب الذي باتت زياراته متكررة". لم يلاحقنا الغرباء؟ لم يلاحقنا الأطفال الصغار يا خليل؟ ماذا يريدون منّا؟! نحن كبرنا وانتهى الأمر!
Chapter 5
Time relativity
ريما لم تأتِ لأن ريما غير موجودة. النساء اللواتي لا يستمتعن بالجنس لا وجود لهن. ثقبهنّ أسود ووقتهنّ منتهٍ. خليل هو الذي اخترعها كي يمضي وقته في البحث عنها كي يدعوها الى مطعم فاخر يغيظ والدة نجوى. خليل يحتاج لوقت أكثر كي يعثر على امرأة حقيقية توقفه عن التفكير ليتنفس من جديد.
عندما ظهر نينو في باب الغرفة أخيراً كانت نجوى تحدث خليل عن الألم في بطنها وأشياء أخرى تصيبها. عندما رأت نينو، فكرت أن تضعه في قنينة وتسافر حول العالم تجمع الاشخاص الاذكياء وتضعهم في علب البودرة. قليلون جداً الذين لا يتحول ذكاؤهم الى أداة تبرّج مع العمر، ومعظمهم ليسوا بشراً. تحتاج نجوى أن تأخذ وقتهم لتتعلّم كيف توقف بحثها عن عاطفة الأمومة في رجل. لكنها أقنعت نفسها أن نينو لن يقبل فتراجعت عن فكرتها. النساء يكذبن دائماً لا سيما على أنفسهن. يحبني. لا يحبني. يقتنع. لا يقتنع. تستعمل المرأة حدسها الثمين في الموعد الأول لصياغة شخصية رجلها كما تريد ثم تمضي المواعيد اللاحقة في مساعدته على اكتشاف شخصيته- الشخصية التي حضّرتها. عالم البيولوجيا المتزمّت يفرض على تجربته أن تتحرك وفقاً لفرضياته ولذا لا ينجح أبداً. البشر يحتاجون للمزيد من الحرية التي يحرمون أنفسهم وبعضهم منها تحت مسمّيات كثيرة منها الحب. البشر يحتاجون لوقت أكثر. نينو يقبل دائماً بما يسمح له بالنوم نوماً طويلاً لذا يفكّر كثيراً بالفلومازينيل. لكن الموت لن يسمح له بالبقاء داخل جدران المنزل مع ذكريات السجادة العراقية. نينو يحتاج لوقت أكثر ليدرس كيف كان الفراعنة يأخذون حياتهم وسجّاداتهم معهم الى الموت. لا يوقف النظر الى الوراء لأنه لا يعلم أننا سنعود أطفال في المستقبل.
يتوجّه نينو الى نجوى بابتسامة جافة
لم تفهمها بينما يمدّ يده الكبيرة لخليل. ابتسامة جافة واحدة. لحظة واحدة يتوقف فيها كل شيء, تنظر نجوى إلى الغرفة حولها و تراها من زاوية جديدة, أقرب إلى الأرض من السابق.
نقاط الانطلاق الجديدة اعتباطية. مع الوقت، الصورة تشرع تدريجياً بالظهور. الوقت الذي يملكه شخص واحد بيننا.
" أشياء كثيرة تتغير لكن أشياء أخرى تبقى كما هي. الوقت دائماً في صالحي. لذا مرَ بي ولا تهتم. سأكون بخير. فقط أعطني الوقت. الوقت الذي تملكه أنت."
مشتاقون
Post a Comment