Chapter 2
Disturbed N
الفوضى هي حالة من التطبع الشخصي, و أنا فوضوية إلى حد المس بهدوء محيطي, و لا أعرف كيف أشرح ذلك لمن حولي. كلما حاولت التحدث مع أمي, تظنني مخبولة, و تطلب مني أن ازور طبيبها النفسي. ثم تقول بعد ان تزم شفتيها و تقلب عينيها إلى الأعلى :
-روحي شوفي الدكتور روني.
عندها يلتمع شيئ حول البؤبؤ المظلم, و يغيب نظرها لوهلة حين تلفظ إسمه . فالمرأة التي ترتجف بالشبق التخيلي, تشعرك بأن عيونها تهتز كصفحة ماء أقلقها سقوط حجر كبير فيها. الجنس يغتال الأداة الحسية للنظر, أو هي الرغبة الجنسية بالأحرى. تلك المرأة كانت جميلة جدا و يحيرني كيف يمكن لها ان تنسى نفسها, كينونتها, و تتحول إلى مجرد جسد مليء بالسيليكون, يعبث به رجال كطبيبها العجوز هذا.
-يا الله يا نينو وينك !
أريدك أن تسكت خواطري المقلقة, أذكر جيدا في بداية مواعدتنا, حين أخبرني أن أكثر ما يدفعه للعودة مجددا لرؤيتي بالرغم من عجرفتي و تغطرسي, هو أنه يشفق على روحي المضطربة. أذكر أن ماء عيني إلتهب يومها و أنا أرى الصوت في شفتيه يتجسد كرعشة فاضحة عبرتني من أسفل رقبتي إلى قدمي الصغيرة.
ألتقي بنفسي في مرآة سيارتي, و أبتسم لمرأى الغروب و هو يتقدس على وجنتي المحمرتين. أشتاق ليديه الكبيرتين تعبثان بتفاصيل وجهي الدقيقة. أشعر بمعدتي تتحرك فوق مياه رغبتي, فأبتسم ورعا, و أدع المدينة الغارقة في مراسم اللون القاني تسرقني, كطفلة ضائعة رفعت يدها إلى الأعلى بعد أن أدماها البكاء و الغياب, فأمسكتها يد الريح و الضوء و جرتها خلفها.
البحر يأخذ الشمس خلفه, و الضوء المستحي يحاول جر المدينة معه, لعلها تغرق و تؤنسه في لوعة الإشتياق حتى موسم العودة. و لكن المدينة لا ترحل أبدا, ترافقه إلى الشاطئ الصخري و تهمس له أنه لن يشعر أبدا بالوحدة, و أن هناك مدن أخرى تنتظره ليمر بها. تقترب منه أكثر, فيصبح اللون الأحمر كالرذاذ, ينتظر مرور السحاب الذي يعيده إلى الشمس الغارقة عند الشفق.
أربكتني كثافة أفكاري و أنا اجلس خلف المقود الأسود. يمر قربي شاب وسيم جدا, يبتسم فأرد له الإبتسامة. يتقوس حاجبي فجأة , و يجتاحني شعور مريب بالشفقة على مدينتي, ثم يتحول إلى شعور بالحنق لإستسلامها المستمر و طيبتها. مدينتي عاهرة الموانئ إذا, لذلك تستسهل القناعة برحيل العابر اليومي بحرارة على أطرافها. لكنها حقيقة تودعه لإستقبال الليل الذي يتلبسها. مدينتي تشبه المرأة التي تغمض عينيها حين تخون أحبتها.
أتمتم بشكل لا إرادي:
-أنا أعلم أنك لست نائمة, أنا اعلم سرك.
ألتفت حولي فلا أرى أحدا, يتسلل الصمت إلى السيارة المتوقفة, و يخيفني ثقل العدم و إختفاء الحركة. و للحظة كنت على وشك الإعتذار من ميدنتي لسوء الظن بها, حين أضاءت انوار الشارع فجأة. أشعر بألم خفيف في بطني, و ألقي بالملامة على النسيم البارد المتسلل تحت الثوب.
ألمح خليل و هو يركن سيارته في زاوية المصرف المركزي, فأشير له بانني سأسبقه إلى الغرفة. لقد مر الوقت بسرعة, و نينو لم يظهر بعد. أظن أن رسالتي لم تصله.
- ربما لا يزال نائما. أقول لنفسي و أعبر الشارع نحو المبنى الزهري العتيق.
0 commentaires:
Post a Comment