May 26, 2011

نينو

roger waters

Chapter One

-Flumazinil !

لحظة واحدة يتوقف فيها كل شيء, تنظر إلى الغرفة حولك و تراها من زاوية جديدة, أقرب إلى الأرض من السابق, ألاحظ الأشياء المألوفة كأنها رفيق قد نسيته. يقترب وجهي من السجادة النبيذية أكثر فيسرقني الضوء الأحمر, أشعة تلمس الشراشيب البيضاء لسجادة جدتي العراقية كأنها تتمسك بها, ثم تفلتها إراديا كإجلال لقدسية الحسرة عند الوداع. تنسحب في صمت مهيب على الصوف الملون بأصابع الحيّاك في النجف, تقبله و تتسلق الحائط كطفل أخبروه ألا ينظر خلفه مهما حدث, و لأنه أخطأ حين قرر أن يكبر , إلتفت و تفتحت عيناه على مشهد الألم.

يخالسني الضوء إلى الشباك و يرحل, أرى جدتي تجلس مرتدية رداءها الأخضر, تلهو بصنع دمية من بقايا الصوف و الورق, ترفع نظرها إلي و تبتسم عبر تجاعيد وجهها الألف بين الفينة و الأخرى. أحاول أن ألتمس بعض النور من الحمرة المغيبية, و نسيمات نيسان تحتل مساحة النافذة كلها. تصلني الريح الحنوة دون أن تحمل الشمس معها, بينما يتذيلها أول طرف من الليل و هي تعبر وجهي. ألتفت إلى جدتي فأجدها قد رحلت. يتناهى إلي صوت عمتي الدقيق, و هي تخبرها عن النيل, و تصر أن حياتها كانت رائعة مع جدي. أحاول قلب عيني لأحدد مكانها, فيجتاحني عنف الصمت الذي حل فجأة, كأن المدينة في الخارج قد إنطفأت تماما و توقفت الحركة. أرى السماء مليئة بالغيوم الحمراء , أشعر برعشة مهيبة تعبر ببطء من أطرافي, كأن هواء نيسان خذلني للحظة. أحاول التركيز في السماء مجددا, فتعبر عيني بجهد على الحائط الزهري ثم على وجه روجر والترز و تقرأ في الأحرف اللاتينية البارزة "الوجه المظلم للقمر" قبل أن تصل إلى الشباك الخشبي و تعبر الدهان البني ثم تتوقف.

السماء مجددا, و الرعشة بطعم الخوف الجلي, كأنني رأيت الظلام يحدق فيي عبر السحب القانية , كأن أعيننا إلتقت فجأة.

ينتشلني نيسان عنوة من هواجسي المخيفة , بإمتلاء الصوت الفوضوي ,في الغرفة المتجمدة بالصمت كتجمد أعراقي. أشعر بيد جدتي تداعب شعري, كأنها تمسد حواسي كلها بأطراف أصابعها, و أبدأ بالتآلف مع عودة الحياة و الحركة التي تمر ظلالها خاطفة, عبر أضواء عواميد الإنارة التي إستفاقت عنوة. أتذكر بانني أبحث عن عمتي التي سكتت مواربة, و يخيل لي أن الزمن عاد خطوة إلى الوراء. السجادة النبيتية قاتمة كالدماء العتيقة, عمتي تشرح عن السيدة و الإهرامات و النيل, ثم تجهش بالبكاء بشكل هستيري. أرتجف محاولا إستعاب المشهد, و أسِر لنفسي بأنني عشت هذه اللقطة سابقا.

تبحث عيني عن عمتي مجددا, و أتسآل لماذا أضيعها بإستمرار, لا بد أنها  تجلس قرب الحجة على الوسائد الزرقاء في السطيحة , تشربان الشاي النجفي و تحيكان كنزات الصوف للأولاد. أبحث عن صوتها مجددا, هي ما زالت تخبرها أن جدي أخذها في رحلة إلى مصر للنقاهة, و تردد بهوس:

-
إلى النيل , إلى النيل.

ثم ينقطع نفسها و يتحول البكاء إلى نشيج يلامس قعر القلب, و ينزف فيه كالجدار المشقق. أسمع صوت الماء يهدر قرب رأسي. بينما لم يلتقط الصدى من الحوار سوى إسم النهر الأفريقي, و بقي يعيد صناعته حولي حتى ظننت أن النيل فاض في الغرفة, و أغرقني بالعرق البارد.

أرى وجه أمي و هي تشير إلى السقف المهترئ , تخبرني أنها تخاف من حدوث هزة أرضية جديدة تدفع به إلى الإنهيار تماما, و يتناهي لي صوت والدي قادما من خلفها و هو يؤكد أنها الورقة فقط. أسمعه يقول أن الورقة هي التي قشرت فقط و ما زالت قضبان الحديد على حالها. أرى أمي حزينة و قلقة , يشرح والدي عن الورقة و يؤكد مجددا:

-
الورقة , الورقة .

أدير رأسي نحو التشققات و يعود النشيج من الخلفية الصوتية ليملأ رأسي. صوتها الحزين ينطق من وهلة إلى أخرى بإسم النهر العجوز :

-
أخدك إلى النيل , إلى النيل.

و يرحل تاركا الحزن الذي تقدس في ذاك البكاء أو ذاك الغناء. أسمع صوت فيروز , فأرى وجه أمي مجددا.

-
يلا تنام يلا تنام لإدبحلك طير الحمام.

أرى شفتيها ترتجفان بالكلمات و لا أصدق أن صوت فيروز هو الذي يخرج عبر حبال حنجرتها الرقيقة. يعلو نشيج عمتي فأشيخ بنظري إلى السقف المتشقق و أحس بحزن غناءهن يمر إلى قعر قلبي ويتلمسه, أو يمسده في لحظة مطولة من الرغبة بالبكاء. يدخل حزنهن في الدم و يتسرب الشعور الصرف في العضلة حتى ينسجم في إيقاع النبض, يعلو على كل الأصوت الحية الأخرى.
أراها تتجمع على النتؤات, مستنقع داكن تولد منه القطرات خفية على السقف. أشعربقلبي يتنزه في كل أنحاء جسدي, و أحاول اللحاق بالقطرات التي تسقط تراتبيا مع نبضي.

-
يلا تنام يلا تنام , لأدبحلك طير الحمام, و يا حمام لا تصدق عم بضحك على "نينو" لينام.

أنا أعرف هذا الصوت, أبحث عن الوجه حولي, أريد أن أرى وجهها فقط. لكن نظري يتلاشى و تختبئ عيني في الماء الذي إمتلأ بها. أشعر بأنني أغرق, و تدخل المياه في أذني, تختفي كل الاصوات الأخرى, و يقتصر وعيي على الإيقاع التصاعدي. قطرة ثم دقة.قطرة تلحق بالدقة . قطرة و دقة. يسري الدفء على جبهتي المبللة بالمطر و يختطفني النعاس.

3 commentaires:

Anonymous said...

كنتُ أقرَأك...
أنتَ في كلّ التفاصيل

Hachem said...

نتكلم كمن يدرك التفاصيل :)

Anonymous said...

ربّما:)