
سر العمامة المختفية
(الفساد في المجتمع الديني)
إستلقى الرجل العجوز على الأريكة المزخرفة بالذهب, و ألقى رأسه إلى الوراء. كانت عمامته الضخمة تثقل رأسه كثيرا أثناء المشي, و لكنه استجاب دوما لرغبة خفية, كبرت مع تقدمه في السن و التجارب, بأن على العمامة أن تتضخم كي يبقى رأسه رمزا لمركز الثقل في جماعته. مرت من أمامه سيدة أربعينية,أو هكذا ظن بسبب ترهل ثدييها الضخمين, و قال في سره لعلني جربتها يوما, و ابتسم بخفر, محاولا أن يخلع عمامته لشعور بالحرج منها. و هو شعور لطالما نجح بكبته و اقصاءه إلى صندوق الذمة في دماغه, و الذي ثبت له أن مساحته كبيرة جدا لتحفظ الألاف من الأفكار الناقصة التي يودعها فيه بحذر. التفت حوله قليلا, كانت عيناه زائغتين, و تراءت له السيدة مجددا و هي تجر فتاة لم تتجاوز الثانية عشر من عمرها. ابتسمت له و أشارت إلى غرفة في آخر الرواق. فأشار إليها برفع أصابعه العشرة, و تمتم :اعطيني عشر دقائق.
نقل يده السمينة, و التي تتوج أصابعها الكثير من الحجارة الكريمة و قد نقش على بعضها أدعية و كلمات ربانية, و وضعها على بطنه المتورم بالوجبة الدسمة التي تناولها لدى قريبه التاجر, و الذي تربطه به علاقة أعمق من الدم و اسم العشيرة, إلى صلة مليئة بالفراخ المحشية و هي وجبته المفضلى, و السيارات الحديثة التي كان يستوردها له ليبيعها, بعد أن يضع ختمه على أوراق الجمارك, على أنها بضائع تخص الجمعيات الإنسانية التي يديرها مرفقه الديني, و بذلك لا يدفع ضريبة الإستراد العالية, مما يضاعف الأرباح تماما.
كانت معدته تؤلمه كثيرا, و قد تجاوز الألم كرشه الضخم, ليصعد حول ثدييه الأنسويين, و صدره الذي بات مؤخرا يتقلص و ينقبض مسببا له ألم كبير. أغمض عينيه قليلا, باحثا عن الراحة في الظلام و السكون, و غفى.
إستفاق بعد لحظات على صوت جلبة كبيرة, نظر حوله, كان لا يزال كل شيء في مكانه, بإستثناء مرآة كبيرة, وضعت في الحائط أمامه. بحث متلفتا عن السيدة ليسألها عن سر هذه الجلبة, و لكنه لم يعثر عليها. حينها فقط حاول النهوض من مكانه, إلا أن كرشه كان ما يزال يثقل عليه. حاول القيام مجددا, و لكن قوته خانته, فقرر أن عليه الإنتظار قليلا ريثما يتحرر من قيود جسده. و فيما كان يحاول أن يسند رأسه مرة أخرى, تراءت له صورة عجيبة في المرآة. كان ينظر إلى نفسه و لكنه يرى شجرة ضخمة.و ثمة صوت خفي يخبره متيقنا أنه ينظر إلى انعكاس صورته, و لكن عقله يرى شجرة ضخمة, تبدو صلبة للغاية.
اقترب برأسه قليلا, كمن يتأكد من مشاهدته الغريبة, فاهتزت الشجرة بدورها. و باتت الصورة مركزة على الأغصان الآن, التي تبدو نضرة للغاية و محملة بفاكهة جميلة. ابتسم العجوز, و هم محاولا النهوض مجددا لتلمس الصورة الجميلة, و قد استفاق في رأسه صوت يخبره أن هذه رؤية من رؤى الجنة التي كان قد اودعها في صندوق ذمته المقفل منذ زمن يبدو بعيدا جدا الآن. و كلما اقترب برأسه اكثر, كلما كبر انعكاسه, و لم يعد يرى سوى الفاكهة اللذيذة التي تسحره تماما و تشده نحوها.
-و لكن ما هذا الذي أراه ؟
حاول أن يصرخ, فخرح صوته مكبلا بالسكون. كانت الثمرات تتخذ شكل وجه مألوف لديه. المئات من الثمرات نبتت على قشرتها تقاسيم بريئة تشبه الفتاة الصغيرة التي رآها بصحبة المرأة منذ قليل. حاول أن يلتفت ناحية الرواق مستفسرا لعله يجد إجابة على الغرابة المحيطة به, فلم يقدر على طي رقبته حتى, و وجد نفسه مسمرا في مكانه, و هو ينظر إلى عيني تلك الطفلة تحيط به على مئات من الثمرات الشهية. سال لعابه و هو يحاول ان يمط جسده ليقطفها, و لكنه كان متيبسا تماما كجذع الشجرة. كان اللعاب كثيفا و مدرارا, حتى أنه شعر بالرطوبة تبلل جسده. و كلما حاول النهوض كلما زادت رغبته و اضطرابه, بينما وجه الثمرات يحدق من خلال عيني الطفلة المخدرتين و قد بدأت تطفح بماء أزرق.
كان شعوره بالحنق من عجزه يتفاقم تدريجيا, فبدأ جسده السمين و المترهل بالإهتزاز. لكن الشجرة اهتزت أيضا بدورها,و بدأت الثمار تتساقط بسرعة شديدة , فصدمه المشهد و ما عاد قادرا على السيطرة عليه. كانت عيناه تتحركان يمنة و يسرة, محاولا القبض على الصورة , و لكنه كان عاجزا تماما. رأى الثمار و قد تحولت إلى تفاح أحمر تملأ الأرض حوله, و الشجرة عارية تماما, تشبه شجرة الإسخريوطي الذي أرعبته حكايتها كثيرا في طفولته. مد يده متحسسا عنقه, كأن هناك من يشد عليه, و أغمض عينيه.
-ما هذا الحلم الدنيئ. دعني أستيقظ يا رب .. قال متبهلا.
و لكنه ما إن اعاد فتح عينيه حتى رأى أن التفاح الذي ملأ الأرض حوله بات عفنا, و عيني الطفلة فيه تفقآن من الداخل و يخرج منها دود ضخم جدا, و يزحف نحوه. كان يرى صورته الآن في المرآة, و قد استبد به جزع غريب, حاول أن يدير رأسه, إلا انه كان متيبسا أكثر, حاول أن يشد عينيه ليرى حوله, فاكتشف أنه عبارة عن شجرة عارية الغصون و قد تقمصها تماما.
-ولكن و لكن , أنا .. أنا ..أنا هناك , أنا إنسي , أنا لست شجرة .. أهرب أهرب أيها العجوز السمين
صرخ في صورته , و قد بدأ الدود السمين الذي خرج من العيون الجميلة, يزحف على قدميه, و يقضمه بحثا عن قلبه .. و للحظات رأى نفسه و هو يتآكل تدريجيا حتى بقي قلبه وحيدا, محاط بالأفواه الشرسة. و قربه صندوق صغير, ذا قعر سحيق, يبتلع المشهد كله في دوامة سريعة.
في صباح اليوم التالي تصدر هذا الخبر أنباء الصحف المحلية:
العثور على جثة المرجعية المذهبية الكبيرة المختفي منذ أيام, مرمية في مرآب مهجور للسيارات. و الشرطة تقول أنها تستبعد السرقة و أن للجريمة طابع طائفي, فلم يفقد أي من الخواتم الكريمة التي تزين يديه و عثر على محفظته مليئة بالنقود , بإستثناء العمامة التي اختفت تماما.
1 commentaires:
القصة تتناول رجل دين فاسد, يستعل منصبه في البيروقراطية المدنية. حيث لا تسلم الكنيسة و الأوقاف و غيرها من الدوائر الدينية الرسمية في لبنان من الفساد على المستوى القضائي و الإستثماري على حد سواء, بالإضافة إلى فساد الرشوات لدى الموظفين.
و أعتقد أن ما يسمى حملة إسقاط النظام الطائفي تناست توجيه النقد إلى هذه المؤسسات الدينية, التي تشكل عراب القوى السياسية الرئيسي, أي المشرِّع الأول للزعامة السياسية لدى الجماهير.
يشترط إلغاء الطائفية من لبنان, أن يشمل النقد هذه المؤسسات لأنها تقع في أساس الدولة الحديثة التي نطمح إليها.
Post a Comment