إستيقظ الولد الأعمى في غرفته في المخيم, وقف و توجه نحو كرسي صغير في زاوية الغرفة التي يدرك كامل تفاصيلها, أمسك به مباشرة, فبدت كل تحركاته كأنما إستعاد حاسته المفقودة. وضع الكرسي في منتصف الغرفة ليقف عليه, أحنى ظهره قليلا و تلمس سقف الزينكو المنخفض, ثم أمال وجهه و وضع خده على السقف لكي يتحسس حرارة اللوح المعدني.
" إنه نهار مشمس ! رائع ! "
هتف الولد و إنفرجت أساريره. لبس ثيابه سريعا و توجه نحو باب البيت الصغير, تنفس جيدا و هو يضع يده على مسكة الباب , دون خطأ , أو تردد , ما زال يجد طريقه إلى الأشياء. إنها اللحظة الأخيرة قبل أن يتحول إدراكه نحو حاسة أخرى لديه, حاسته التي تجعل منه بطلا خارقا في بُعدِ الصوت. أدار المقبض و فتح الباب مندفعا إلى الخارج.
هل يمكنكم تخيل الأصوات التي تنطلق فجأة حين يكون النهار مشمس و هواء البحر العليل يبرد الوجوه في مخيم الرشيدية. أن تبني المشهد المتداخل في آن معا عبر الموسيقى و إيقاعات الأجساد المتنوعة و صرير الأبواب و الأدوات.
- وَلا ماجد, أصحى تخبصك السيارات! خلي الولاد يقطعونك الشارع.
جاء صوت عمه سميح من الدكانة المجاورة للمنزل , هز رأسه مرتين بين الموافقة و اللامبالاة و تابع طريقه دون أن يتوقف.
يبدو ماجد ولدا عاديا, يشبه أقرانه بكل شيء, لونه الأسمر الخاص الذي لا يعلم إن كان لونا فلسطينيا حملوه معهم في شتاتهم المستمر, أم أنه لون مستجد لم يلبث ان تجذر لدى ساكني المخيم البحري.أما ثيابه ,فهي إعتيادية لا تحمل بصمات ضحايا الموضة في المجتمعات الإستهلاكية. و هكذا إن نظرت إليه و هو يبتعد فلن تلاحظ أنه يمشي و يصغي, و لو أنك لاحظت تردده فإنك لن تلبث أن تجد أن قامته جزء من الصورة التي تراها للزقاق الضيق, الذي يبدأ عند الشارع العام و ينتهي على البحر. و الأزقة المتوازية كلها تشبه بعضها أيضا, كالبيوت , و الأبواب, و محلاث الثياب , و الثياب نفسها, و حتى الأشخاص كبارا و صغارا.
تبدو على وجهه المستطيل إبتسامة ولد ينتظر هدية ما, و يذكره الآذان أن اليوم هو الجمعة , و أن الأولاد لم يذهبوا إلى مدارسهم, و هو بالتالي سيجد عملا ينتظره و سيعود ببعض المال إلى المنزل مساء.
-السلام عليكم عمي أبو نزار.
صاح ماجد و هو يقترب من منزل بائع غزل البنات العجوز. و لم ينتظر جوابا على سلامه كي يبدأ بتلمس الحائط و يسمع حفيف يديه على النتؤات بإنتظار فراغ ما يدله على باب الدار الضيق.
-هلا ماجد , شو كنك جايي تدور معاي اليوم؟
أدار ماجد وجهه نحو الصوت الضعيف للرجل العجوز. كان يكن له إحتراما, إلا أنه لم يكن معجب به إلى حد كبير, فالرجل العجوز يملك كل المقومات ليعمل في أي مجال آخر, غير هذا العمل الذي يعد من إشتقاقات التسول في المنطق العام للأمور." ولك تحويش الليمون أشرف من هالشغل" همس بحذر.
-إيش قلت وَلا ؟
-بَقُلك آه جايي أدَوّر معاك و أساعدك, اليوم جمعة و الشمس حلوي, إنشالله عطول هيك, ليزيدوا الزباين.
-آه ! و مين قلك عالشمس إنها حلوي, إيش كَنَّك رجعت تشوف وَلا ؟
جاء الصوت من عدة أمكنة, و كان الرجل يهم بالتوجه نحو العربة. يعلم ماجد أنه لا يقصد إستفزازه, فالتهكم من الطباع التي يشترك فيها جميع سكان المخيم.
-خليني أساعدك أبو نزار. صاح ماجد بعد أن حدد مكان العربة, و مشى نحوها دون ان ينتظر جوابا. تلمس مكان الأكياس المليئة بخيوط السكر الزهرية, و بدأ يضعها على العربة الخشبية.
الرجل العجوز يفقد قدرته على الكلام بعد ساعة من الصياح على بضائعه, في حين يتمتع ماجد بصوت جهوري جذاب, و هو ما يؤهله للقيام بأعمال من هذا القبيل. فإن لم يخرج أبو نزار في جولته لسبب ما, يذهب أولا إلى بائع البطاطا الذي يجلسه قربه في البيك آب و يُحَمِله مكبر الصوت ليصيح أثناء الجولات داخل الرشيدية و أحيانا خارجها. و في مرات قليلة, كان يحمل كشكا صغيرا يملأه له عمه سميح, فيدور في الأزقة و يبيع الأولاد السكاكر و الحلوى, و هو عمل يجر عليه الكثير من المتاعب, لأنهم دوما ما يحاولون سرقته أو غشه, إلا أنه يبقى متأهبا دائما, فما إن يسمع حفيف الهواء على الأيدي السريعة حتى تسمع لسعة من كفه الصغير على اليد الممدودة. "باااك" ... و يبدأ بالشتام بعدها, حتى يتجمع الناس حوله و يعيدوا له حقه كي يصمت و يكف شره. أما التسول فهو يكرهه تماما, كمقته للمدينة في الخارج حيث أخذه أبوه مرة. و قد عانى من شعور بالغربة لم ينساه, لم يكن الخجل أو غير ذلك من مشاعر المذلة الذي ضايقه. بل صوت والده المتهدج و هو يطلب منه أن يجلس على الأرض مادا يده و لا يتحرك من مكانه, و وجع خفي ينزل من حلقه إلى معدته, شعور فظيع بالخوف, لم يتكرر لديه إلا خلال حرب تموز الذي أذهلته فيها أصوات القذائف و الطائرات.
لم يكد يتجاوز الوقت منتصف النهار حتى كان سطح العربة فارغا تماما من الأكياس, و لم يضطروا حتى إلى التوجه نحو المخيم القديم, و هو ما أضاف البهجة إلى قلب ماجد, لأن الذهاب إلى هناك يعني أن يسلمه أبو نزار الدفة ليدفع بالعربة صعودا في الحارات التي تلتقي قرب الكنيسة على تل الرشيدية. و هو ما يجهده تماما و يغرقه بالعرق. و فكر الفتى أنه حتما يومٌ جميل, و قد بلغ ذروة بهائه حين ناوله العجوز عشرة ألاف ليرة لقاء خدماته و هو ضعف ما يعطيه إياه في الأيام العادية.
مشى الولد بسرعة في طريق عودته إلى المنزل, لدرجة أن الأصوات إختلطت في رأسه و طغت الفوضى على إدراكه. كان يشعر أنه ملك العالم في هذه اللحظات, و لم يسعه أن ينتظر سماع صوت أمه و هي تدعو له سعيدة بالتوفيق من الله, فتخيله و سمع صداه في ذاكرته : " يا يما يا ماجد يا إبن بطني" ... و أعاد إستذكاره مرارا و تكرارا و هو يحث خطاه حتى أصبح لا يسمع شيئا آخر. و في لحظة مباغتة, جمدت رجلاه تماما, و هو يستمع لصوت صرير قوي لم يلبث أن حمله من مكانه كقوة خفية و طرحه أرضا, و باتت رجلاه متصلبتان كمعدن بارد. ثم فاجأه طنين مدو و لم يعد يسمع شيئا عداه للحظات, قبل ان تعود موسيقى الحشد المتجمع حوله لتزيد من صدمته و هو يحرك رأسه يمينا و شمالا بينما يشعر بأياد كثيرة تتحسسه و تقلبه بحثا عن شيئا ما.
-يلعن أبوك طّلّع قُدامك يا حمار. الله من عنده نجاك من الموت
.
.
- آه ؟
-إيشْ أعمى يعني, لا حول و لا قوة. كُنت بَلّتنا فيك وَلا, قوم وَقّف
-آه !
و في الوقت الذي هم بالوقوف, جاءه صوت عمه الرصين " الحمد الله على السلامة !" ... "الله يسلمك" ... و ضاعت حناجر الآخرين في أبواق السيارات الواقفة و ضجيج الأبواب التي تصفق.
-تَعَالْ أرَوْحَكْ على دارْكُم.
-إيشْ أعمى يعني, لا حول و لا قوة. كُنت بَلّتنا فيك وَلا, قوم وَقّف
-آه !
و في الوقت الذي هم بالوقوف, جاءه صوت عمه الرصين " الحمد الله على السلامة !" ... "الله يسلمك" ... و ضاعت حناجر الآخرين في أبواق السيارات الواقفة و ضجيج الأبواب التي تصفق.
-تَعَالْ أرَوْحَكْ على دارْكُم.
أمسك ماجد بيد عمه, و بدا جسده ضئيلا جدا, و تحركاته شاذة كأنما هو يمشي للمرة الأولى. و بينما يتمتم سميح بعبارات ضبابية غير مفهومة, كان الفتى يضع يده الأخرى في جيبه و يتحسس ورقة العشرة الآلاف التي لم تعد مصدر سعادته كما كانت منذ دقائق, بل ورقة خلاصه من العقاب الذي ينتظره في المنزل لتهوره و هو يقطع الشارع.
0 commentaires:
Post a Comment